اسد حيدر
653
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
فكانت تأتي الموسم وتنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها « 1 » . إذا فليس من أنصاف الحق أن يؤاخذ المسلم عندما يغضب لسماع صوتها وينسب الظلم لمن قتل ولديها فيرمى بالزندقة والإلحاد لأنه طعن على معاوية ، إذ القتل بأمره وهو صحابي ، وله في ذلك اجتهاد مقبول أو تأويل صحيح ، إذا ليجري معاوية في ميدان الحياة وليفعل ما شاءت له نفسه ، فقد ضربت الصحبة عليه حصانة لا يمكن مؤاخذته فليأمن من كل خطر وليسفك الدماء ، وليقتل على الظنة والتهمة ، فقد انهارت الحواجز كلها في وجهه واندكت العقبات أمامه ، فلا تشمله تلك النظم والأحكام التي قررها الشارع المقدس ، وفيها سعادة البشر ونظام الحياة ، لأنه صحابي وله حرية التصرف في الأحكام . ولو كان له ذلك لما أنكر الصحابة عمله ، وفي طليعتهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ، فقد أعلن للملإ انحراف سيرة معاوية ومخالفته لنظم الدين . وقد أنكرت عائشة على معاوية قتله لحجر وأصحابه وغضبت عليه ومنعته من الدخول عليها ولم تقبل بأعذاره إذ قال : إن في قتلهم صلاحا للأمة ، وفي مقامهم فسادا للأمة فقالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : سيقتل بعذراء الناس يغضب اللّه لهم وأهل السماء « 2 » . وكثر الإنكار على معاوية لما ارتكبه من الأعمال ولا يتسع المجال للإسهاب في هذا الموضوع . وخلاصة القول أن الصحبة بشروطها في الإخلاص في الدين والولاء في الإسلام وليست منزلة توجب العصمة وتلزم الاعتراف بالتفرد دون نظر وتدقيق ، قال سفيان بن عيينة : نظرت في أمر الصحابة وأمر بن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبتهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وغزوهم معه « 3 » . فليست مقرونة بمواهب خارقة وخصال خاصة وقد تكون اصطحابا بلا أثر وغزوا في الظاهر ، وفي السريرة أغراض نفع ورياء فعن معاذ بن جبل أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : الغزو غزوان ، فأما من ابتغى وجه اللّه وأطاع الإمام
--> ( 1 ) الاستيعاب ج 1 ص 156 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 195 . ( 2 ) تاريخ ابن كثير 8 / 55 . ( 3 ) صفة الصفوة لابن الجوزي ج 1 ص 111 وتاريخ ابن كثير .